ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
32
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
كما سمعت عن العرب ، من غير زيادة فيها ولا نقص ، وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها ؛ لأن ذلك أمر خارج تقتضيه صناعة تأليف الكلام . فالجواب عن ذلك أنا نقول : اعلم أنا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو ؛ لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفا بالمعاني ، مختارا لها ، قادرا على الألفاظ ، مجيدا فيها ، ولم يكن عارفا بعلم النحو ؛ فإنه يفسد ما يصوغه من الكام ويختل عليه ما يقصده من المعاني ، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم ، وإما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفا به ثم تفسد عليه معاني كلامه ، وإنما تفسد عليه الأوضاع ، وإن كانت المعاني صحيحة ، وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب ، فنقول : أما قولك إن التصريف لا حاجة إليه ، واستدلالك بما ذكرته من المثال المضروب ؛ فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه ، ألا ترى أنك مثلت كلامك في لفظة سرداح ، وقلت : إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص ، وهذا لا يطرد إا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال ، فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفهاوإبدالها يضل حينئذ عن السبيل ، وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن ، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي وكان جاهلا بعلم التصريف كيف تصغير لفظة اضطراب فإنه يقول : ضطيرب ، ولا يلام على جهله بذلك ، لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتى به ، وذلك أن النحاة يقولون : إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته « 1 » نحو قولهم في منطلق : مطبلق ، وفي جحمرش : جحيمر ؛
--> ( 1 ) هذه عبارة لا تؤدي مقصود النحاة تماما ، والعبارة المستقيمة أن تقول : إذا كانت الكلمة المراد تصغيرها على خمسة أحرف نظرت ؛ فإن كان فيها حرف زائد حذفته ، وإن لم يكن فيها حرف زائد حذفت الحرف الخامس ، هذا ، ويستثنى من قولنا : " إن كان فيها حرف زائد حذفته " الحرف الزائد إذا كان مدا قبل الآخر ، سواء أكان نحو ألفا قرطاس وشملال وسرداح ، أم ياء نحو قنديل وكبريت وإبريق ؛ أم واوا نحو عصفور وسيروت وأملود ؛ فإن هذا الحرف لا يحذف ، بل يقلب ياء إن كان واوا أو ألفا ، ويبقى بحاله إن كان ياء . وإن كان الاسم الذي على خمسة أحرف يشتمل على حرفين زائدين نحو منطلق ؛ فإن الميم والنون =